الإذاعي الراحل : سعيد شوشه الثبيتي ( 1375 - 1427 هـ )

سعيد بن شوشه الثبيتي سيرة موجزة :
  • ولد بعام 1375 هـ في قرية العيسى بني سعد جنوب الطائف .
  • نال درجة البكالورويس بتخصص : إعلام "إذاعة وتلفزيون" من كلية الآداب بجامعة الملك سعود في عام 1400 هـ .
  • عمل من عام 1399هـ وإلى ما قبيل وفاته بقسم الإخراج بإذاعة الرياض .
  • انتقل إلى رحمة الله بمدينة الطائف صباح الجمعة 11 جمادى الآخر 1427هـ الموافق 7 / 7 / 2006 م . أخرج على مدار 28 عاماً العديد من البرامج الأدبية والثقافية مثل :
    أبعاد ثقافية ، أسئلة في اللغة والأدب ، أوراق شاعر ، أطروحة على الهواء ، عالم الأدب ، من مرافئ التراث ، الإذاعة في ضيافتك .
  • دعا المذيعين إلى استقراء النص لا مجرد قراءته ...
    الإذاعي الراحل سعيد شوشة الثبيتي... كان يعتمد المنهجية والحرَفية

    الرياض - عبدالواحد الأنصاري - صحيفة الحياة في 8 / 8 / 2006

    كان من الصعب أن تلتقي سعيد شوشه الثبيتي، ولو دقائق قليلة، وأن تنساه بعدها، يخيل إليك أحياناً أن اللقاء على قصره، يمكن له أن يكون مفصلياً، فشخصيته الودودة ووعيه العميق بما حوله، وتلك البساطة الآسرة التي تتسلل إليك من دون أن تشعر، وتحاول لاحقاً أن تعاينها، لكنك لا تستطيع، كل ذلك يدفعك إلى التفكير بأنك كنت في حضرة شخص فريد حقاً. لكن لماذا يرحل مثل هذا الشخص - المثال في صمت؟ من دون حتى خبر في جريدة؟ لعل الصمت الذي يرافق رحيل هؤلاء عن دنيانا هو جزء مكمل لشخصيتهم المختلفة.

    لم يكن أصدقاء الثبيتي من الإذاعيين فقط. كان له أيضاً أصدقاء من الأدباء والكتاب والمثقفين على اختلاف توجهاتهم. أي أنه لم يكن منغلقاً، بل منفتحاً على كل شرائح الوطن وفئاته. كان إنساناً بامتياز، في زمن لا نعرف فيه كيف نكون أناساً!

    مضى هذا الرجل إلى مآله الأخير من دون ضجيج يعكر هدأة الرحيل. وكان لقصيدة الشاعر عبدالله الزيد، التي نشرت في «الحياة» طبعة جدة، أن قالت للقراء شيئاً عن هذا الرجل. مات الثبيتي في مسقط رأسه الطائف.

    هنا شهادات من بعض الأصدقاء، الذين واكبوا مسيرة حياة الراحل وتجربته، وفاءً لمشواره الكفاحيّ الجميل، ولتعريف الجيل الجديد بتجربته، ولو بعد إسدال الستار عليها. شهادات تنشرها «الحياة» تقديراً بسيطاً لرجل أعطى الكثير، ومواساة لأسرته.

    - عبدالرحمن الأحمدي (مدير مكتب وكيل الوزارة للشؤون الثقافية ومخرج ومعد سابق):عاش سعيد الثبيتي شامخاً عزيز النفس، لا ينافق ولا يمالئ أحداً مهما كان منصبه، لم يدخل مكتب مسؤول لطلب شيء لنفسه، وإنما للسلام والمناقشة في العمل، ولم أره يوماً يشكو إلى أحد على رغم الظروف التي عاشها ويعلمها الجميع، ولم يكن يرفع شكواه إلا إلى الله عز وجل.

    - عبدالعزيز بن إبراهيم الزاحم (رئيس قسم الإخراج في الإذاعة): يخجلك بتواضعه الجم، ينقل، بكل حيا، المعلومة التي يستفيد منها الجميع. يدفعه قلبه الطيب للسؤال الدائم عن أحوال الأسرة والأبناء. والذين عملوا معه يدركون قدراته جيداً. فصاحب الإمكانات المحدودة يستجمع كل إمكاناته لعدم الوقوع في الخطأ أمامه. والمتمكنون يستبشرون بذلك. لم نفقد مخرجاً إذاعياً فقط، فقدنا أخاً كبيراً وزميلاً عزيزاً.

    - عبدالله آل سليمان (مخرج في إذاعة الرياض): لقد تعلمنا من الزميل الراحل المخرج سعيد الثبيتي، عدم التغاضي عن الأخطاء اللغوية، ودائماً ما كان يحضنا على استقراء النص وليس مجرد قراءته؛ من أجل رفع مستوى الإبداع الفني والإعلامي في أي برنامج، وكان رحمه الله يدخل علينا في أستوديو الأطفال ويقول: يا أخ عبدالله: حاول أن تعلم الطفل كيف يصحح خطأه من دون التدخل من الغير، ليصبح رجلاً واثقاً من نفسه، وليس وعاء يصب فيه رأي الآخرين.

    - عوض الله بن محمد عوض الله (إذاعي): سعيد بن شوشة الثبيتي كان مخرجاً إذاعياً سعودياً متمكناً من اللغة وفن الإخراج الإذاعي، شاركته في تقديم الكثير من البرامج على مدى أكثر من عقدين نضيدين من الزمان، وكان يمتلك قلباً صافياً خالياً من الحقد، وأذكر أنه في شهر رمضان الماضي أخرج لنا برنامجاً أعددتُه وقدمتُه بتكليف من الإذاعة، وكان هذا آخر عمل ربطني به. كان متمكناً من عمله، محباً لوطنه ولديرته الطائف.

    - عبدالله الزيد (إذاعي وشاعر): كان استثناءً في بساطته وتعامله وفي خُلُقه الرفيع، ولكن أكثر ما بهرنا فيه هو تلك الحرفية العالية في الإخراج الإذاعي المتقن، وتلك المنهجية الثقافية التي يحترفها وهو يقوم بعمله إلى درجة أن كثيرين من الزملاء الذين لا يسبرون غوره كما ينبغي، يُخَيّل إليهم (في أستوديوات التسجيل والمونتاج) أن الذي يعمل معهم الآن ليس هو زميلهم الذي لا يحده حد في مزاحه وتكيّف مزاجه، وقد حظي بالإعجاب الثقافي لسببين: الحساسية اللامتناهية في الحرص على خلو برامجه من الأخطاء اللغوية والمعرفية. وحضوره العجيب في كل المناسبات الثقافية بتعدد مواضيعها، حتى إننا لا يمكن أن نتخيل مناسبة ثقافية من دون أن يكون المخرج الإذاعي الكبير سعيد بن شوشة في الصف الأول من جمهور تلك المناسبة.

    - سعد بن محمد الجريس (المدير العام لإذاعة الرياض بالنيابة): تتلعثم الكلمات وأنت تستجديها لتعبر عن إحدى القامات الإذاعية، عن المخرج الإنسان، الشامخ في كل شيء حتى في تعاليه على المرض وتحديه للصعاب والمعاناة، رحمه الله، كان مدرسة في الحرص والإتقان عبر برامجه، حميماً في أخوته وزمالته، أحب الثقافة والمثقفين، كان صادقاً في تعامله حتى، وإن اختلف مع الآخرين، يقسو على من يدربه بحنان الأب الواثق بجيل قادر على العطاء، يتباهى وهو يسدي وقته وصحته وفكرته وعصارة خبرته لهذا الوطن، من خلال الكلمة المسموعة التي حرص على أن تكون كلمة مسؤولة.

    عبد الله بن عبد الرحمن الزيد

    فِـقـْرَة ٌ حَـرَّى من كتاب الغياب

    إلى روح الصديق النبيل المخرج الإذاعي المتفوق الزميل / سعيد شوشه الثبيتي / رحمه الله ، وإلى أسرته ، وذويه ، ومحبيه :

    مَـنْ سوفَ يقرأ قصيدتي
    عندما تكون نازلة ً للتـَّوِّ
    من سبحات الإلهام ؟

    ومن ذا الذي
    يـَتـَلـَقـَّفُ شعري
    قبل أنْ يَـتـَوَسَّد صمتَ المَجَاميعِ
    ووحشة َ الدواوين ِ
    وإعراضَ الرُّواة ؟

    لا أَحَدَ
    يبتهج بـِرُوَاءٍ
    ونقاءٍ
    حين يراني
    سِوَاه

    لا أَحَدَ
    يذكرني بنشيجي
    ونزفي
    غيره

    لا أَحَدَ
    يحاصرني
    بالبياض
    وطيب القلب
    ونبل الروح
    مثلـُه

    لا أَحَدَ
    يعيد صياغة أخباري
    التي نسيتـُها
    كما هُو

    فياويل أزمنتي
    التي يتفلـَّتُ منها
    عزاءُ السنين

    وياويل أمكنتي
    التي لم تعد تحتفي
    بخلاصاتنا النادرة

    أين أذهب الآنَ
    بالعقل
    والفنّ
    من غياهب هذا الفقدان ؟

    كيف لي
    أنْ أتـَجَرّع وحشة هذا الوجود
    عندما
    ألفُ كيلٍ
    تباعدُ بيني
    وبين الثبيتي محمد

    فأين الثبيتي سعيد بن شوشه
    ليسرد لي
    سيرة الشاعر المُـسْـتـَكِنِّ
    بصيفِ القـُرَى
    ويفاجئني
    بالجديدِ
    وماصارَ
    من خبره ؟

    وأين الصديق الصدوق ..
    ليقـتفيَ
    سيرتي
    ويُحَـبِّرَها
    جُمَلا ً
    في السياق المجيد ؟

    ومَنْ للأمسيات
    التي سوف تخلو
    من العاشق المُسْـتـَهَام ؟

    ومن للإذاعة
    يخرجُ أحلامها
    ويبدّدُ أوهامها
    ويزودها
    بجديد الحياة ؟

    أين ذاكَ
    الذي
    كان جسراً حفياً
    بين فكر الأديبِ
    وشكوى الأثير ؟

    ثـُمَّ
    مَنْ لي
    بمثل معالِمِه
    وحقيقتِهِ ؟

    أين ذاكَ الجبينُ
    الذي يتهلـَّـلُ
    لا تحتويه الرحابة ُ
    لا يدانيه اتساعُ اليقين ؟

    أين ضحكتـُُهُ
    تستردُّ شواردنا
    وتعيدُ إلينا
    نقاءً
    ونبلا ً
    فقدناه
    بعد أنْ عاث فينا
    غثاءُ السنين العجافِ ؟

    لقد عاشَ
    حراً
    جميلا ً
    حفيا ً
    تـُـشَـكـِّلـُُهُ
    خشية الأتقياء

    حاربته شعابُ الحياة
    نازلته عواصف الوجود
    وكادته أسباب النجاة

    واستوى
    إلى جانبه
    وتحت ظبنه
    من يناصبه المرارة َ
    والشقاء
    ويناكفه
    في ميسور عيشه

    فكان استثناءً
    في الصبر
    ورفض القهر

    وكان عجباً
    في القبض على الجمر !!
    وعزّ الفصل
    وطيب الأصل

    ذلكم
    هو
    توأم ذاتي
    وذائقتي

    أيها المثقلون بحزني
    وصبري الذي لا يطاق
    ونشيجي
    الذي صادرته محارق الذكرى
    ومجامر الرثاء

    ففي أيّ وجدٍ
    وفي أي ودٍّ
    وفي أي قلبٍ
    ونبلٍ
    سأدفن وجهي
    ودمعي
    وهذا الرثاء
    الذي نـَزّ منـّي
    وقـُدِّرَ
    أنْ يكونَ الكتابَ
    الذي
    لم يبادرْ إليه
    ويَشْدُ به
    سعيدُ الثبيتي !؟

    عبدالله بن عبدالرحمن الزيد / الرياض 21/6/1427 هـ

    د. سعد البازعي

    جريدة الرياض - ثقافة اليوم - الاحد 13 جمادى الآخرة 1427هـ - 9 يوليو 2006م - العدد 13894
    سعيد الثبيتي : التميز الذي فقدناه
    د. سعد البازعي (رئيس النادي الأدبي بالرياض)

    آلمني كل الألم غياب الصديق الأستاذ سعيد شوشه الثبيتي، وزاد من لوعة فقده أنه يأتي وأنا خارج المملكة غير قادر على تقديم التعزية مباشرة، لذا فإني أتقدم من خلال هذا التعليق في جريدة الرياض الغراء بالتعزية لأسرة الفقيد لاسيما أبنائه الأعزاء، وأود بهذه المناسبة أن أشيد بمآثر سعيد الثبيتي وتميزه إنساناً ومهنياً فقد عرفته عبر سنوات عدة وكان مثالاً للطيبة واللطف، مثلما كان متابعاً ممتازاً للحركة الثقافية مجتهداً في كل ما من شأنه تطويرها سواء من خلال عمله بالإذاعة مخرجاً لبرامج رائعة أو من خلال مواظبته على حضور المناسبات الثقافية. أدعو الله عز وجل له الرحمة الواسعة ولأسرته وأصدقائه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    فيصل أكرم

    سعيد شوشة الثبيتي.. المحبوب دائماً
    أخوكم / فيصل أكرم
    9 / 7 / 2006

    ارتبط اسمه باسم إذاعة الرياض، وارتبط اسمها باسمه.. كان جميلاً أينما حضر، وكان مبدعاً ومحباً لكل المبدعين.. ابتسامته كانت تضفي على كلّ مكان يحضر فيه البهجة والأنس، وسيرته العطرة كانت تحضر عنه في كل غياب.. ليس لنا من حيلةٍ بعد أن فقدناه سوى الدعاء له بالرحمة والمغفرة، ولأهله وأصدقائه ومحبيه بالصبر والسلوان.. إنا لله وإنا إليه راجعون..

    ورحل طائر المساء
    الأستاذ هاني البركاتي
    9 / 7 / 2006

    كم كنت رائعا ياسعيد! رسمت الوطن حبا و عشقا, غادرت وهناك في الأثير صداك,كنت واعدا وحققت الوعد, ثلاثون عاما قضيتها تتذكرك فيها "أوراق شاعر" و" طائر المساء" وكل الفواصل والبرا مج وكل الذين عرفوك, وكل الذين سمعوا اسمك يوقع البرنامج, نتذكرك يا سعيد بالحب والاخلاص الذي عرفناه فيك.رحمة الله وغفرانه عليك يا سعيد...

    جريدة الرياض - الرأي للجميع - الخميس 17 جمادى الآخرة 1427هـ - 13 يوليو 2006م - العدد 13898

    سعيد شوشة الثبيتي والمقاطعة
    د. حمد بن محمد الهاجري

    كنا في منتصف الثمانينات الميلادية في إذاعة الرياض والأخبار تتوالى عن الهجوم الأمريكي على ليبيا، فقرر زميلنا سعيد شوشة الثبيتي في قرار مفاجئ، ومن طرف واحد، بدء المقاطعة لكل ما له علاقة بأمريكا وبدأ تنفيذه فوراً باتلاف علبة دخان معه كانت أمريكية الصنع وبحث عن البدائل، وكان يفتخر وهو يبحث ويتعب لإيجاد البديل.. وقد توقعنا ان تكون مقاطعته على شاكلة المقاطعات أو الحملات العربية التي تتميز بقصر المدة وسرعة التغير، لكنه استمر منذ ذلك التاريخ بل ووسعه حتى شمل أفراد عائلته ومن له تأثير عليهم.. وكلما سألناه عن المقاطعة يرد بقوله أنه الموقف الذي أستطيع ان اعبر به على معارضتي للسياسة الأمريكية المعادية للمسلمين.. ويضيف ان الأسواق مليئة بالبدائل فلماذا لا أتمسك بموقفي.. رحمك الله يا سعيد فإن لم تكن أول من اعتمد المقاطعة فبلا شك ان مقاطعتك هي الأطول، ولو كانت جماعية ستكون الأقوى.. ليس لنا لاّ الدعاء لك بالرحمة والغفران فقد كنت من أشد المتمسكين بكلمتهم مهما كانت النتائج.

    أيضاً عرف عن الأستاذ سعيد شوشة الثبيتي شغفه وتعلقه بكل ما له علاقة بالثقافة فتجده يبحث بكل جهد عن صحف قديمة، وعندما تسأله لماذا يقول: «لم اقرأ ملحقها الثقافي».. وقد قال عنه الدكتور عائض الردادي مدير عام إذاعة الرياض آنذاك: «لا أذكر أني حضرت محاضرة أو ندوة أو أمسية شعرية إلاّ وأجد سعيد الثبيتي في الصفوف الأولى».. كان مرجعاً لي من الناحية الثقافية إضافة إلى كثرة معارفه في الوسط الثقافي وكنت استشيره دائماً في أسماء الضيوف وتوجهاتهم.

    لقد فقد الوسط الإعلامي يوم الجمعة الماضي 11 / 6 / 1427هـ المخرج الإذاعي الأستاذ سعيد شوشة الثبيتي والذي ظل لأكثر من 30 عاماً مثالاً للالتزام والاستقامة.. وشاء قدر الله ان تكون وفاته بين أهله في الطائف حيث كان في إجازة قصيرة رغب خلالها زيارة أهله وأحبابه وهم كثر.. رحمك الله كنت خفيفاً لا تحب ان تثقل على أحد، وها أنت تموت بين ذويك دون ان تثقل عليهم عناءالتنقل، رحمك الله وغفر لك والهم أهلك وأحبابك وزملاءك الصبر والسلوان.{إنا لله وإنا إليه راجعون}.

    د.عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري

    جريدة الرياض - ثقافة اليوم - الخميس 2 رجب 1427هـ - 27 يوليو 2006م - العدد 13912
    سعيد شوشة الثبيتي ..المخرج القدير والزميل العزيز
    د.عبد الله بن عبد الرحمن الحيدري ( أستاذ الأدب المساعد بكلية اللغة العربية بالرياض ورئيس قسم الإعداد بإذاعة الرياض سابقاً )

    في صباح السبت 12 / 6 / 1427 هـ كنت في مكالمة مع الزميل المخرج مشبي بحاري أطمئن فيها على الزملاء في إذاعة الرياض وأتسقط أخبارهم بعد أن أصبحت بعيداً عنهم ببدني لا بقلبي، وإذا هو يعزيني في الزميل سعيد شوشة الثبيتي .. لم أصدق الخبر وقلت : لعلها مزحة ثقيلة من أحد الزملاء، وإذا هو يؤكد الخبر . لم أشأ أن أصدق رغم ثقتي بالأخ مشبي، فاتصلت بالزميل عبد العزيز الزاحم رئيس قسم الإخراج، وهو القسم الذي ينتسب إليه زميلنا العزيز سعيد شوشة ؛ للتأكد من الخبر، وياللفجيعة قال لي بصوت حزين ومؤثر: ما سمعته صحيح ولا حول ولا قوة إلا بالله . لقد توفي في الطائف إثر نوبة قلبية حادة رحمه الله ..

    جلست في منزلي في ذهول غير مصدق وفي وجوم ظهر أثره علي وعلى كل من رآني ..، وتواصلت المكالمات من كل مكان ومن عدد من الزملاء والأصدقاء: د.محمد الربيّع، سعد الجريس، د.صالح المحمود، عبد الله الوشمي، د.سلطان القحطاني، مقعد السعدي، علي السبيعي ..وغيرهم يقدمون العزاء وقد عرفوا صلتي بالفقيد على مدى عشرين عاماً أو تزيد. والحق أن المخرج القدير سعيد شوشة الثبيتي رحمه الله رحمة واسعة من الرجال العصاميين الذين حفروا أسماءهم بقوة في إذاعة الرياض نحواً من ثلاثين عاماً، وارتبط اسمه بالبرامج الثقافية ؛ ولذلك يندر أن تجد أحداً في الوسط الثقافي لا يعرفه .

    ولقد عملت معه في أكثر من برنامج، بل إن معظم برامجي أخرجها الأستاذ سعيد، ومنها : عالم الأدب من إعداد خليل الفزيع، من مرافئ التراث، الإذاعة في ضيافتك (رمضان 1419هـ)، ضيف الأسبوع ومدته ساعة وأنتجت منه اثنتين وعشرين حلقة عامي ( 1419/1420هـ)، الأندية الأدبية، وهو برنامج أنتج بمناسبة اختيار الرياض عاصمة للثقافة العربية عام 2000م . وقد سجلت منه اثنتين وعشرين حلقة وأذيع عام 1421هـ، في محيط الأدب (رمضان 1423هـ) .

    أما أكثر البرامج التي أعتز بها وأخرجها المرحوم سعيد الثبيتي فهو برنامج «أسئلة في اللغة والأدب»، وهو برنامج أدبي مباشر مدته تسعون دقيقة أذيع في المدة من 1423 - 1426هـ كل أربعاء، وقمنا بإنتاج ثمان وتسعين حلقة، واستضفنا فيها عدداً من أبرز النقاد والأكاديميين .

    ولقد أنتجنا حلقتين من البرنامج في ربيع الأول من عام 1424هـ في أستديو الدمام بإشراف الزميل العزيز سعد الجريس مدير الأستديو سابقاً في سبق يضاف إلى أسرة البرنامج حيث كانت الحلقتان أول بث مباشر على الهواء من الأستديو . وكنا في هذا البرنامج نشكل فريقاً متناغما بحكم الاهتمام الثقافي الذي يجمعنا، وكان يعرف معظم الضيوف، ويندر أن أعرّفه على أحد ؛ مما يدل على صلته الوثيقة بالمشهد الثقافي والوسط الأكاديمي .

    وثمة برامج أخرى جمعتنا مثل برنامج نسيم الصباح، وأهلاً بالمستمعين، وأبعاد ثقافية، وسواها مما تناولته في كتابي المحدود التوزيع «من أوراق مذيع » . ولي مع أبي عبد الناصر ذكريات كثيرة، وروابط تجمعنا عديدة، فمما قربني إليه : ميله لإخراج البرامج الثقافية، وشغفه بالأدب وحبه للشعر، وولعه بالكتب، وجهله بالرياضة، ولم نختلف إلا في حبه للسهر وكرهي له !! وبلغ من حبه للكتب أنه كان يقول لي حين يرى بين يديّ كتباً جديدة في الأستديو أستعد للتعريف بها في بعض البرامج : « أبا أمل أرجوك لا تنس أخاك ولا تتردد خذ لي نسخة من أي كتاب يهدى إليك !» .

    ومن بين المخرجين الذين عملت معهم يكاد ينفرد من بينهم بالثقافة العالية والاطلاع الواسع، والمتابعة الجادة للأحداث الثقافية، إضافة إلى تمكنه من اللغة وحسه الموسيقي العالي، فلقد أعطاه الله موهبة في تذوق الشعر بحيث يدرك بسرعة فائقة ودون تردد كسور الأبيات ؛ ولذلك فقد أسندت الإذاعة إليه إخراج البرنامج الشهير «أوراق شاعر» عام 1417هـ وأنتج منه عشرات الحلقات .

    ومن طرائف هذا البرنامج، وتأكيداً لحبه للسهر وعشقه للعمل أنه اتصل في وقت متأخر من الليل بالشاعر سليمان بن عبد العزيز الشريّف يتابع معه تسجيل حلقات البرنامج، فاستيقظ الشاعر من النوم بسبب الاتصال، وفي اليوم التالي ولدت قصيدة طريفة يعاتبه فيها، ومطلعها :

    يا سعيد الثبيتي كيف روعت بيتي             تتصل بي بنصف الليل والناس نيمه !!
    ومنها (مع تحفظي على عاميتها) :
    ياهواة القصايد جاكم الطير صايد             لكن الصيد ها المره حبارى هليمه
    هذي أوراق شاعر ما تهز المشاعر             ما لها في مجال الشعر وزن وقيمه
    إلى أن يقول :
    الرجل من كلامه صقر وإلا نعامه            والثبيتي بها المقياس فاز بقسيمه

    ومن تعامل معه فلا بد أن يقول : «سعيد ولد مخرجاً»، ففيه صفات المخرجين الرواد، وبخاصة سعة الأفق، والثقافة العالية، وقوة الشخصية، والالتزام والحرص الشديد على أداء العمل بإتقان ودون أخطاء .

    وعلى الصعيد الاجتماعي، فإنه على مشاغله العديدة لا يغيب عن مناسبة فرح أو ترح لأي من الزملاء، ولقد دعوته إلى مناسبات عديدة فلبى الدعوة وكان في مقدمة الحضور، ومنها مناقشتي في الماجستير والدكتوراه، وزواج أخي منصور، وغيرها من المناسبات .

    ومع شهرة سعيد شوشة الثبيتي رحمه الله، فإنه زاهد في الأضواء، ولا تكاد صوره تنشر في الصحف، ويعتذر عن اللقاءات الصحفية ؛ ولذلك فإن الكثيرين، ومنهم زملاؤه في الإذاعة يجهلون تفاصيل حياته .

    لذا أرى من الواجب الإعلامي أن نذكر جوانب من حياته، فلقد ولد في قرية من قرى الطائف، واسمها «وادي العيسى» ببني سعد عام 1375هـ، وتعلم فيها التعليم الأولي، ثم انتقل إلى الطائف فدرس في دار التوحيد، بعدها واصل دراسته الجامعية في الرياض، وبالتحديد في كلية الآداب التابعة لجامعة الملك سعود - قسم الإعلام - ، وتخرج عام 1401هـ حاملاً شهادة البكالوريوس في الإذاعة والتلفزيون، بعدها تعين في إذاعة الرياض مخرجاً وتدرج في المراتب حتى حصل على المرتبة العاشرة رحمه الله رحمة واسعة . وقد حصل على عدد من الدورات على رأس العمل، ومنها دورة في الإخراج في المملكة المغربية، ودورة في اللغة الإنجليزية في معهد الإدارة العامة بالرياض، ودورة في معهد الدراسات الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية .

    وبعد، فأقدم للأسرة الإعلامية، وللزملاء في إذاعة الرياض بوجه خاص خالص العزاء والمواساة في الفقيد العزيز، وأسال الله له الرحمة والمغفرة، ولأسرته الكريمة الصبر والسلوان . {إنا لله وإنا إليه راجعون }.

    جريدة الرياض - الثلاثاء 14 رجب 1427هـ - 8 أغسطس 2006م - العدد 13924 - صفحة الرأي للجميع
    وقفات مع الحبيب الراحل سعيد شوشه الثبيتي
    رجا الله الثبيتي

    ماذا عساي أن أكتب عنك أيها العزيز الراحل بعد أن أديت الأمانة وأخلصت في أدائها وكنت مبدعاً كعادتك دائماً مخرجاً في إذاعة الرياض. لقد أحببت الإذاعة وأحبتك وانطلقت من خلالها وعبر الأثير إلى كل المستمعين في كل مكان خلال ثلاثين عاماً. ماذا عساي أن أكتب عن عشقك لمدينة الرياض تلك المدينة الحالمة والتي واكبت تطورها منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

    لقد كانت الرياض عشقك الأزلي وإذاعة الرياض بيتك الذي كنت تشعر فيه بالراحة والاستقرار بين كوكبة من الزملاء العاملين في الإذاعة. لقد كنت تحدثني عن عدد الفرص الوظيفية التي عرضت عليك والترقيات التي كنت تستحقها وتزهد فيها لأنها خارج الرياض.

    لقد كنت أيها الأخ الحبيب صاحب مبدأ لا يمكن أن تتخلى عنه مهما كانت الضغوط ومهما كانت وسائل الإقناع.. لقد كان إيمانك بمبادئك عن قناعة وعن وعي وعن إدراك. لقد رحلت أيها القلب الكبير وليس في قريتنا أو ممن يعرفك من يحمل عليك مثقال ذرة من الحقد أو حتى من العتاب لأن دواخلك كانت نظيفة ولم تكن تفرق بين كافة أفراد القبيلة على الإطلاق وكنت تعتبر محبتهم وخدمتهم والوقوف إلى جانبهم أمراً يتحتم عليك الالتزام به وتنفيذه. ليتك رأيتهم عندما كانوا يحملونك على أعناقهم إلى مثواك الأخير وهم يذرفون العبرات على فقدك أيها العزيز.

    لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون وفاتك بينهم حتى يلقوا عليك نظرة الوداع الأخير ويحملونك وكأنهم يحملون قلوبهم على أكفهم ألماً وحسرة بفقدانهم لك ويتزاحمون حول جسدك الطاهر حتى يتشرف كل منهم بحمله وتوديعه لقد استرجعت بوفاتك الذكريات التي عشناها سوياً وتذكرت «القرية» وبما فيها من سكان وبساطة وتذكرتك عندما كنت تحمل «الراديو» وربما كنت الوحيد الذي يمتلك راديو من الشباب في ذلك الوقت وتذهب إلى مكان بعيد حتى تسهر مع سيدة الغناء العربي «كوكب الشرق» وكنت تعرف مواعيد حفلاتها ومواعيد أغانيها وعندما نقابلك في اليوم التالي تحدثنا عن السهرة بكل تفاصيلها وأنت تردد :

    يا حبيبي كل شيء بقضاء - ما بأيدينا خلقنا تعساء
    ربما تجمعنا أقدارنا - ذات يوم بعدما عز اللقاء
    وإذا أنكر خل خله - وتلاقينا لقاء الغرباء
    ومضى كل إلى غايته - لا تقل شئنا فإن الحظ شاء

    ومع كل السهرة والتعب كنت تنطلق إلى بستان «الراضيّة» وكلك حيوية ونشاط حتى لا تحرم من سهرة قادمة لأم كلثوم إذا لم تؤد عملك في الحقل على أكمل وجه. وعندما كنا طلاباً في المرحلة المتوسطة بالطائف وتحديداً في حي «اليمانية» كنت تستبدل لقمة الخبز بمجلة روز اليوسف أو مجلة آخر ساعة أو أي مجلة شهرية أو فصلية أخرى وكنت تقول بأن الخبز سوف تجده في أي يوم بينما المجلة قد تفقدها من السوق ولن تجدها أبداً.

    لقد توطدت العلاقة فيما بيننا أكثر وأكثر وكنا أكثر قرباً عندما كنا سوياً في جامعة الملك سعد بالرياض. لقد عشقت الرياض وأحببتها مثلك لأنك كنت تحبها. لقد باعدت بيننا الحياة وذهب كل منا إلى مكان آخر ومع ذلك عندما كنا نلتقي نستعيد كل الذكريات حتى البسيطة والبسيطة جداً.

    لم تكن في يوم من الأيام أيها العزيز من هواة جمع المال ولم يكن همك أن تكون ثرياً في يوم ما ولو كنت كذلك لكنت من أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب العقارات. لقد استثمرت دخلك كله في أولادك عبدالناصر، رياض، معروف، بسام، فوزان . ولم يخيبوا ظنك جميعاً .

    لقد عرفناك أيها الحبيب بوجه واحد وكنت صادقاً ووفياً لا تعرف النفاق أو التملق أو الانتهازية. وعرفناك تعشق القرية «قرية العيسى» في بني سعد بكل أصالتها وتراثها وثقافتها وتعشق ناسها.. تحترم الكبير وتعطف على الصغير وتحرص على أن تعرف الجميع. كنت أيها الحبيب تشعر بأنهم جميعاً أهلك وخاصتك وكنت كذلك عندهم. لذا بكوك وبكوك جميعاً وبحرقة عند فراقك. رحمك الله يا سعيد رحمة واسعة وجبر كسرنا وخفف من مصابنا في فقدك.

    {إنا لله وإنا إليه راجعون}

    الأستاذ ابراهيم التركي

    صحيفة الجزيرة - السبت 2 شعبان 1427 هـ 26 أغسطس 2006 - العدد 12385
    الثبيتي..!
    ابراهيم بن عبدالرحمن التركي

    ** وهو (سعيد) الذي كان يُمسك شعرَ رأسهِ منبهاً المذيعين كيلا ينسوا اسم والده (شوشه)؛ فقد كان بذكره حفيّاً وفياً..!

    ** (سعيد شوشه الثبيتي) مخرجٌ إذاعي توارى بهدوء؛ فقد اختاره الله خلال إجازة الصيف ووسط إرهاصات حرب لبنان، وتذكرنا (المنفلوطي) الذي رحل يوم وفاة (سعد زغلول)، فلم يسرْ في جنازته إلا بضعة أشخاص، ورثاه شوقي:

    اخترتَ يوم الهولِ يومَ وداعِ - ونعاك في عصف الرياح الناعي
    من مات في فزع القيامة لم يجد - قدماً تشيِّعُ أو حفاوةَ ساعي

    ** تطوع أحدهم لتنبيه صاحبكم في أول يوم عمل إذاعي له (1405هـ) إلى عدم التأثر بتعامل (أبي عبدالناصر) الذي حسبه أخونا فظّاً، وهو - في واقعه - جاد، وامتدت مع (سعيد) مودة نادرة، وكان - رحمه الله - نموذجاً في الصدق والإخلاص والتفاني وإنزال الناس منازلهم، ودقتُه في تتبع الأخطاء النحوية والعثرات اللغوية والأسلوبية، وحضورُه الثقافي بعض مما يشهد له به..!

    ** ليس بدعاً أن يتوارى سعيد بصمت، ولا ثقة بما يمكن أن تقدمه الإذاعةُ لمثله؛ فقد غادر قبله: محمد الشعلان ومطلق الذيابي وإبراهيم الذهبي وخالد البنيان وعبدالله الحربي وغيرهم.. غفر الله لهم، ونأى من المؤسسين: عبدالرحمن الشبيلي وبدر كريّم وماجد الشبل وغالب كامل ومحمد الرشيد وياسر الروقي وسواهم؛ فلم يلتفت لهم، وضُنَّ بتسمية ممرات الإذاعة والتلفزيون واستوديوهاتها وقاعاتها بأسمائهم رغم المطالب المتكررة، ليبقوا في ذاكرة التاريخ الإعلامي المحلي التي نتمنى ألا تنسى..!

    * الموت يقظة..!

    صحيفة البلاد
    رحمك الله يا سعيد
    ابراهيم بن أحمد الصقعوب مدير عام إذاعة الرياض

    قبل أيام ودعت إذاعة الرياض أحد منسوبيها الأوفياء الذين شاركوا في العمل البرامجي على مدى ثمانية وعشرين عاماً . وترك رحيل المرحوم بإذن الله المخرج سعيد بن شوشه الثبيتي أثره على كل أقسام الإذاعة . التي عرفه العاملون فيها صديقاً للجميع مخلصاً في نصحه قريباً من همومهم ومشاكلهم وتربطه بهم ذكريات عمل جميلة لا تنسى .

    ومع قناعة الجميع بأن الموت حق وأنه نهاية كل حي وأن البقاء لله وحده إلا أن مشاعر الحزن أوجدت لها موقعاً على كل الوجوه . نتيجة رحيله المفاجئ . والفقيد - رحمه الله - على مدى عمره الإذاعي الطويل أخرج الكثير من الأعمال التي تزخر بها مكتبة الإذاعة وكان من القلائل الذين أعطوا جهدهم للبرامج الثقافية والأدبية وظل محافظاً على هذا الخط مستفيداً من ثقافته وقدراته اللغوية الجيدة التي أتاحت له أن يضفي على البرامج التي يخرجها طابعاً متميزاً ومشوقاً شد إليه المستمعين .

    وعندما أضيف إلى برامجه الثقافية برنامجاً إذاعياً من نوع آخر وهو الأسرة والمجتمع . أعطى لهذا البرنامج من جهده ووقته ما جعله من أبرز برامج الإذاعة . رحم الله الزميل أباعبدالناصر الذي كان يمثل حصناً للغة الضاد يجد منه زملاؤه المذيعون الجدد فرصة لرفع ثقافتهم اللغوية والاستفادة من تمكنه في هذا المجال . وإذا كان قطار العمر يمضي وفي رحلته نودع الأصدقاء والأحباب . فإن الذكرى الطيبة التي يتركها هؤلاء تبقى في نفوس مودعيهم إلى أن يتذكروا ويسألوا الله لهم الرحمة والمغفرة والنجاة من النار .

    رحمك الله يا سعيد وأسعدك في أخراك .

    أحمد الدويحي

    صحيفة الجزيرة - المجلة الثقافية - الاثنين 17 رمضان 1427 هـ
    وجوه وزوايا .. سعيد شوشة.. كرموه
    أحمد الدويحي

    أحياناً مهما حاولت لتشكل عالما تريده، فلا يبقى إلا شرف تلك المحاولة، أحلام كبيرة رأينا غبارها تراكمه السنون فوق رؤوسنا، فلا نعرف كيف ذابت تلك الأحلام، ولا نعرف كيف تراكم هذا الغبار..؟

    ويحدث أن لكل منا، عادات وممارسات شكلية في حركاته وسكناته، في جيئته وذهابه، إنصاته وطريقته في الكلام مع الآخرين، الى حد يصبح الإنسان أسيرا لعادته وسلوكياته، فتظل الحياة مملة تسير وبوتيرة واحدة، أكره الالتزام والقيود والمواعيد المحددة بدقة، فتكون ثقيلة تقيدني بوقت كاف قبل حلولها، وتخلق في داخلي اضطرابا، يذكرني بهاجس ليلة السفر، ولا أحب أن أحدد ساعة معينة للكتابة، إذ تقرأ فغصبا عنك تكتب..

    وشهر رمضان شهر الغفران وليلة القدر، هذا الشهر المميز في حياتنا له خصوصية كبيرة، فغير هذه الروحانية نقرأها في الوجوه، ونسمعها في مفردات الناس، ونبصرها في سلوكياتهم. فتحدث أشياء غريبة وغير متوقعة، نستطيع أن نقرأ وجوه الناس وحركاتهم وانفعالاتهم قبل ساعات الإفطار، وبالذات الذين تعودوا سلوكيات معينة، وأدمنوا حالات نفسية كالمدخنين على سبيل المثال.

    الكتابة والقراءة جزء من هذه السلوكيات، وأنا بطبيعة الحال رجل فوضوي، لن استحيي من هذه الخصلة، فكل الذين يعرفوني يعرفون في هذه الفوضى، وقد فشلت على ان أعوِّد نفسي بنظام معين، فقد اكتشفت بعد نهاية مقال الاسبوع الماضي، أني فقدت كتابا جميلا، كتبت عنه الحلقة الأولى من مقالات الاسبوع الماضي، وهو كتاب (خلف أسوار الحرملك)، للكاتبة الجنوبية عائشة الحشر، وأقول بهذا التحديد لأنها ركزت في بحثها الهائل على التحولات التي أصابت المرأة الجنوبية خلال العقود الماضية، ولم يصب التغيير نظام حياتها وطريقة معيشتها مع الرجل، بل غيروا بسبب هذا الغزو الفكري والمذهبي حتى أسماء النساء فاختزلوا اسمها (الحرمة) جاءت (الحرمة) راحت، بدلا من فلانة بنت فلان في مجتمع لم يكن يقر البقاء لمثل هذه التصنيفات، بحكم طبيعة الحياة الجنوبية، والآن للأسف نسمع من يقول لولا الجهل بالدين، ما كانت لتتم تلك الحالات النسائية الجنوبية القديمة، وهذا كلام فارغ وربي.

    على كل حال، ما وجدت كتاب عائشة الحشر، فتشت عنه في مكتبتي ومكتبي وبين مقاعد السيارة، لإكمال ما بدأت قراءته ولم أجده، وقد أثار في داخلي أسئلة كثيرة، وأنا أتخيل حياة المرأة في الجنوب، وحريتها المنقوصة في هذا الوقت بسبب ذلك الغزو لحريتها، فشكوت مرارة هذا الفقد لصديق، كان يقرأ في الجزء التاسع، وبالذات (الجريمة والعقاب) من سلسلة أعمال دستويفسكي، فتخيلت مسافة بعيدة، وليس هناك منطقة وسط يمكن الحوار فيها، فقبل أكثر من خمس عشرة عاما، كنت أقرأ هذا الجزء من السلسلة الروائية للكاتب العالمي، وأذكر أن صديقنا المثقف (الزول) عمر عبدالرحمن، بظرفه وجنونه الجميل أدخلني في حوار تلك الأيام، لا يقل جنونا عن بطل تلك الرواية، وشدني صديقي الحديث الذي تخرج من جامعة الإمام، وبعد الدكتوراة انغمس في قراءة الأعمال العالمية، وبشكل مكثف وهو الحجة والذاكرة في كتب التراث، فجاءت قراءته للآداب العالمية للمتعة والمعرفة معا بعد كل هذه السنوات، وكثيرا ما أسأله: احك لنا كيف هذه التحولات؟

    فينظر إلي بثقة وشفقة، وفي كثير من الأحيان، يجيب بسخرية: التمدد الطولي ما ينفع، خليك أفقي ليكون هناك سعة!

    هذا الصديق المثقف، وصاحب المكانة العلمية العالية، لا تستطيع أن تقفل معه باب الحوار، فقد يأخذك الى مسارب ودروب ليس بك لها حاجة، وكأنك في رحلة الى مجهول، فإذا أردت الابحار معه في موضوع فعليك أن تتسلح اولا بالمعرفة، وأظن ان الكثير عرفوه، ما علينا يا كثر الذين نعرفهم ولا نعرفهم، فالزمن يسير والله المستعان! حينما نعود الى الوراء بنظرة صغيرة، فكان بالأمس القريب قد جاءني، صوت الصديق محمد زائد الألمعي اظنه اتى من القاهرة والعبرة تخنقه، ومتسائلا بلوعة: (هل مات حقا سعيد شوشة الثبيتي؟) ومع إيماني بأن الموت حق، فقد ظللت لثوان أسبح مع شريط من الذكريات، أتذكر سعيد شوشة الثبيتي من سنوات بعيدة، مثقفا ودودا مع الجميع وصاحب ابتسامة لا تفارقه، أتذكر أن صاحب هذا الاسم قد دخل عقولنا وقلوبنا وبيوتنا، ورافقنا في سكناتنا وحركاتنا لسنوات عديدة، قبل أن نتشرف بمعرفته في الرياض، فكان هذا الاسم رديفا للبرامج الثقافية والجيدة على مدى ربع قرن، أتذكر سعيد الثبيتي حينما جاء أول مرة برفقة صديقه الطائفي الزميل عبدالعزيز الصقعبي لحضور واحدة من أمسيات جماعة السرد، وكان سعيد رحمه الله ودودا محبا حقيقيا وصادقا، وكان يحتضن الجميع بحب وكأنه صديق حميم من سنوات، وفعلا هكذا كان رحمه الله. ظل سعيد شوشة رحمه الله، يداوم على لقاءات السرد سنوات من جمعية الثقافة والفنون الى المقاهي، وقد رافقنا سنوات الى مقر النادي في النهاية، وحينما تعب مع من تعب رحمه الله اكتفى بالسؤال. سألت الطائفي الآخر الزميل محمد الشقحاء، فطمني بأن الثبيتي كما كان ناجحا في حياته العملية وعلاقته بالناس رحمه الله ، فقد كان أبا جميلا ربى ذرية صالحة من الأولاد والبنات، وخلع عليهم أدبه وذوقه وحبه وأخلاقه الفاضلة رحمه الله.

    رحل سعيد شوشة الثبيتي والرجل يستحق بجدارة رحمه الله، التقدير والتكريم من المجتمع الثقافي والإعلامي نظير ما قدم، وبالذات من الوزارة ومن أصدقائه ومحبيه في الحقلين والثقافي والإعلامي نظير ما قدم، وبالذات من الوزارة من أصدقائه ومحبيه في الحقلين الثقافي والإعلامي ما أكثرهم، فعيب أن تغيب قاطرة كبيرة من الرموز الأدبية والفنية، وإعلامية لها وزن وقيمة كسعيد شوشة الثبيتي في نظر الأجيال، ثم نتجاهل تكريمهم، وكأن الموت وحده صار تكريما!

    كرموه، فالرجل أهل للوفاء والتكريم رحمه الله، فقد حمل همومنا وأوجاعنا وأحلامنا وأفراحنا على مدار ربع قرن، وأكثر رحمه الله.

    aldw17y1000@yahoo.com